انطلقت، اليوم الثلاثاء، برحاب كلية علوم التربية، الشراكة والتعاون بين كلية علوم التربية والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، تحت شعار «التربية على حقوق الإنسان ومهن التربية والتكوين: من الالتزام المعياري إلى التحول الحقوقي للممارسة التربوية».
وبهذه المناسبة، أكدت آمنة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في محاضرتها الافتتاحية، أن الرهان اليوم لم يعد يقتصر على ترسيخ المرجعيات الدولية المؤطرة للتربية على حقوق الإنسان، بل يمتد إلى ضمان إعمالها الفعلي في الممارسات التربوية، بما يجعل مبادئ الكرامة والمساواة والحرية والمشاركة حاضرة في الحياة اليومية للمؤسسات التعليمية، وقادرة على مواكبة التحولات الرقمية المتسارعة.
واستحضرت رئيسة المجلس، في هذا السياق، المسار التاريخي للمرجعيات الدولية المؤطرة لمهن التربية والتكوين، بدءا بالتوصية المشتركة لمنظمة العمل الدولية واليونسكو لسنة 1966 بشأن أوضاع المدرسين، وصولاً إلى توصية اليونسكو لسنة 1974 بشأن التربية من أجل تعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية والتفاهم والسلام، التي تمت مراجعتها سنة 2023 استجابة لتحولات وتحديات جديدة، من بينها التحولات الرقمية. وأبرزت أن هذا الرصيد المعياري الممتد والمتجدد يطرح باستمرار سؤال قدرة حقوق الإنسان على التأثير الفعلي في الممارسة التربوية.
وشددت آمنة بوعياش على أن تنامي استخدام المنصات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل شروط إنتاج المعرفة وطرائق التعلم والعلاقات داخل المؤسسة التعليمية وخارجها، وهو ما يقتضي اجتهادا متجددا في إعمال المبادئ الحقوقية. فالكرامة تستدعي حماية المتعلم من الإهانة والتشهير والتنمر في الفضاء الرقمي، والمساواة تقتضي مراعاة تفاوت الولوج إلى الأجهزة والاتصال والأدوات الرقمية، فيما تستوجب المشاركة إشراك المتعلمين والمهنيين في تحديد شروط استخدام هذه الأدوات وتقييم أثرها على تجربتهم.
وفي هذا الإطار، أبرزت رئيسة المجلس أهمية الانتقال من التعلم بشأن حقوق الإنسان إلى التعلم من خلالها ومن أجلها، بما يضمن احترام العملية التربوية نفسها للمبادئ الحقوقية. ويتجلى ذلك في طرق التواصل مع المتعلم، وشروط استخدام معطياته الشخصية، ووضوح قواعد التقييم، وإتاحة الفرصة له لتفسير عمله والاعتراض على القرارات التي تمس مساره. وشددت على أن مصداقية الممارسة التربوية تظل مرتبطة بمدى انسجام ما يتم تعليمه بشأن الحقوق مع ما تتم ممارسته فعلياً، حضورياً ورقميا.
كما نبهت إلى أن توظيف الذكاء الاصطناعي في المجال التربوي، ولا سيما في التقييم والتوجيه والمواكبة واتخاذ القرارات، يستدعي ضمانات واضحة تقوم على المسؤولية البشرية وشفافية القرارات وقابليتها للمراجعة، مع تمكين الطالب من معرفة الجهة المسؤولة عن القرار وأسبابه، وإتاحة وسائل الاعتراض وطلب المراجعة. ويقتضي ذلك أيضاً حماية الاستقلال المهني للأستاذ، وإشراكه في اختيار الأدوات وتقييمها، إلى جانب تجديد التكوين الأساسي والمستمر لمختلف مهنيي التربية والتكوين.
وفي ختام مداخلتها، جددت آمنة بوعياش التأكيد على أن نجاح هذا التحول يقتضي سياسات عمومية ومؤسسات توفر الوقت والموارد والمواكبة، وتحدد المسؤوليات، وتضع قواعد واضحة لاختيار الأدوات الرقمية واستخدامها، مع تقييم أثرها الفعلي على الأشخاص. وشددت على أن الرهان يتمثل في توجيه التحول الرقمي بما يوسع الحق في التعلم ويعزز ثقافة حقوق الإنسان، ويجعل من الالتزام المعياري أساسا لممارسات تربوية فاعلة تحمي الحقوق وتكرسها في الواقع اليومي للمؤسسات التعليمية.
