banner
نشر في

في مداخلتها خلال اللقاء المنظم بمناسبة انطلاق الشراكة والتعاون بين كلية علوم التربية والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، تحت شعار «التربية على حقوق الإنسان ومهن التربية والتكوين: من الالتزام المعياري إلى التحول الحقوقي للممارسة التربوية»، سلطت آمنة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الضوء على التحولات التي يشهدها إنتاج المعرفة وإتاحتها بفعل التطور المتسارع للأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وما تفرضه من إعادة التفكير في وظيفة التربية وأدوارها، خاصة في ما يتعلق بتنمية التفكير النقدي والاستقلالية الفكرية لدى المتعلمين.

وأبرزت رئيسة المجلس أن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت قادرة على تقديم شروحات، وإنتاج نصوص، وتحليل مسائل، واقتراح حلول في وقت وجيز، وهو ما يطرح تساؤلات حول العلاقة بين الحصول على الجواب وبناء المعرفة. فإنتاج إجابة مقنعة لا يضمن بالضرورة صحتها، كما أن امتلاك الحل لا يعني بالضرورة فهم المشكلة. ومن ثم، لم تعد مهمة التربية مقتصرة على تمكين المتعلم من الوصول إلى المعلومات، بل أصبحت تستدعي تنمية قدرته على فهمها والتحقق منها، وفحص الافتراضات والأدلة التي تستند إليها، وتقييم حدودها والبدائل الممكنة.

وفي هذا السياق، شددت السيدة بوعياش على أن استقلالية المتعلم لا تعني الامتناع عن استخدام الأدوات الرقمية، بل القدرة على توظيفها مع الاحتفاظ بسلطته على الفهم والحكم والاختيار. ويتجسد ذلك في امتلاك القدرة على السؤال والتحقق والمقارنة والتعليل، ومراجعة الرأي حين تظهر معطيات جديدة. كما تكتسب هذه القدرات أهمية متزايدة في بيئة رقمية تتدخل فيها الخوارزميات في ترتيب المحتويات وإبراز بعضها وحجب بعضها الآخر، بما يجعل التعامل النقدي مع المعلومات شرطاً أساسياً لتكوين رأي مستقل وممارسة مشاركة واعية.

كما أبرزت رئيسة المجلس أن هذه التحولات تستدعي تجديد الممارسات البيداغوجية وأساليب التقييم، بما يتيح تقييم مسار التفكير والجهد الذي قاد إلى النتيجة، وليس الاقتصار على المنتوج النهائي. ويقتضي ذلك اعتماد وضعيات تعلم عملية، من قبيل مقارنة الإجابات المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي بمصادر موثوقة، ورصد ما تتضمنه من أخطاء أو تعميمات، وتحليل حلول متعددة للمشكلة الواحدة، مع تمكين المتعلم من تفسير اختياراته، تعليلها والدفاع عنها.

وفي ما يتعلق بمواكبة هذه التحولات، شددت آمنة بوعياش على ضرورة تجديد التكوين الأساسي والمستمر لمختلف مهنيي التربية والتكوين، بما يجمع بين المعرفة الحقوقية والحكم البيداغوجي والفهم النقدي للتقنيات. كما يقتضي ذلك إعادة التفكير في دور الأستاذ، ليس باعتباره ناقلا للمعرفة فحسب، بل باعتباره مواكبا للطالب في بناء المعرفة وتطوير قدرته على السؤال والتحقق والتعليل، مع الحفاظ على استقلاليته المهنية.

وفي ختام مداخلتها،جددت السيدة الرئيسة التأكيد على أن الرهان التربوي في عصر الذكاء الاصطناعي يتمثل في إعداد متعلم قادر على مساءلة الأفكار والقرارات، وفهم آثارها، وممارسة استقلاليته الفكرية، بما يجعله فاعلا في بناء المعرفة لا مجرد متلق لها. وهي غاية تقتضي توجيه التحول الرقمي بما يوسع الحق في التعلم، ويعزز ثقافة حقوق الإنسان، ويضمن أن تظل التكنولوجيا في خدمة المتعلم وحقوقه، وأن تحافظ الممارسة التربوية على بعدها الإنساني والحقوقي.

 

كلمة السيدة الرئيسة

اقرأ المزيد