في دجنبر 2024، تحت قبة البرلمان المغربي، قال فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، باعتباره المسؤول الأممي الأول و"المسؤول الأساسي المعني بحقوق الإنسان بالأمم المتّحدة"، إنّ تجربة المغرب في مجال العدالة الانتقالية تجربة "متميزة" ورائدة (landmark experience) في تاريخ العدالة الانتقالية بالعالم.
يوم أمس الثلاثاء 19 ماي الجاري، بمقر المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بالرباط، جددت الأمم المتحدة الإشادة بالتجربة المغربية، على لسان الأمينة العامة المساعدة للأمم المتحدة، السيدة كارلا كينتانا أوسونا (المكسيك)، التي سبق وأن شغلت منصب المفوضة الوطنية للبحث عن الأشخاص المفقودين ثم رئيسة للدفاع العام الفيدرالي للضحايا بالمكسيك.
"تجربة ناجحة"… هكذا استهلت المسؤولة الأممية، كلمتها خلال اللقاء الذي جمعها مع السيدة آمنة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، رفقة أعضاء المجلس الاستشاري للمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية، التي ترأسها السيدة كارلا كينتانا... قبل أن تضيف رئيسة "المجلس الاستشاري" (وهي ضحية سورية سابقة وواحدة من أسر الضحايا، تمثل "فئة الضحايا")، "نحن فخورون" بتجربة المغرب في مجال العدالة الانتقالية… ليس فقط لأنها أول تجربة وطنية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والعالم الإسلامي… بل لمقوماتها ومخرجاتها ومقاربتها، خاصة ما يتعلق "بالإرادة السياسية" الحقيقية، والتقائيتها مع الدور الرئيسي للمجتمع المدني وحركة أسر الضحايا والنساء.

زيارة المؤسسة الأممية المستقلة وأعضاء المجلس الاستشاري المحدث لديها (لضمان مشاركة أسر المفقودين والناجيات والناجين والمجتمع المدني في عمل المؤسسة)، للمجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمغرب نابعة من الدور الرئيسي الذي لعبه المجلس ويلعبه في مسار العدالة الانتقالية وتتبع تنفيذ توصياتها. فالمجلس الوطني لحقوق الإنسان هو المؤسسة التي صدرت عنها توصية إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة، والمؤسسة التي وفرت الدعم التقني واللوجستيكي والخبرات لأعضاء الهيئة، قبل أن يكلفه صاحب الجلالة الملك محمد السادس بتتبع تنفيذ التوصيات، في ممارسة مغربية فضلى أخرى في مسارات العدالة الانتقالية وأدوار المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان.

العدالة الانتقالية مسار وطني ينصف الضحايا، يستجلي الحقيقة ويستشرف المستقبل، تقول رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، السيدة آمنة بوعياش، التي استقبلت الوفد الأممي والسوري رفقة لجنة تفعيل توصيات العدالة الانتقالية بالمجلس، فضلا عن مدراء ومستشارين مكلفين بتتبع جوانب متعددة لهذا المسار. تجربة المغرب في مجال العدالة الانتقالية، التي تحرص المؤسسة المستقلة (المحدثة لدى الأمم المتحدة) المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية على الاستفادة من دروسها ومقوماتها، تضيف المسؤولة الحقوقية المغربية، كانت تجسيدا لقرار سيادي طوعي وقناعة مجتمعية للقطع مع ماضي انتهاكات حقوق الإنسان. تجربة المغرب في مجال العدالة الانتقالية، لم تكتف فقط بإجلاء الحقيقة وجبر الأضرار، الفردية منها والجماعية، وإنصاف الضحايا وذوي الحقوق، بل ركزت أيضا على المصالحة وحفظ الذاكرة والإصلاح وعدم التكرار…
العدالة الانتقالية بالمغرب، تقول رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ورش من أوراش إصلاحات جوهرية كبرى شهدها المغرب خلال القرن 21، تبلورت معها وترسخت بعدها مقاربة مغربية خالصة للتعاطي مع قضايا حقوق الإنسان بالمغرب وأولوياتها. الإشراك والمشاركة والتشاور، التوافق، وابتكار أنسب الحلول للسياق الوطني، أسس تضيف السيدة بوعياش، بني عليها مسار وطن قرر اختياريا الإصغاء لذاكرته الجماعية وفتح صفحة ماضي الانتهاكات، لا لمجرد التوثيق والحفظ وجبر الضرر، بل من أجل التملك الوطني واستشراف المستقبل على أسس المصالحة والعدالة والكرامة وحقوق الإنسان.

في سياق التفاعل مع أعضاء المجلس الاستشاري للمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية، المهتم بالتجربة المغربية ومستقبل سوريا، أوضحت السيدة آمنة بوعياش أن نموذج التجربة المغربية المتميز حمل ممارسات ومقاربات مبتكرة، ابتعدنا معها عن الحلول الجاهزة، لنسلك طرقا وآفاقا تمكنا من بنائها تدريجيا، حفزتها إرادة مشتركة بين الدولة والمجتمع: حوار مجتمعي، تملك وطني وجماعي وإرادة سياسية حقيقية لطي صفحة الانتهاكات دون التنكر لها أو إنكارها، والسعي المتواصل لتحويل مآسي الماضي لدروس وعبر وفرص تعزز المشاركة المجتمعية.
العدالة الانتقالية، كما يتبين من تجربة المغرب، غير المسبوقة إقليميا والرائدة قاريا والمتميزة دوليا، مسار وطني لإعادة بناء الثقة وحماية الكرامة الإنسانية كمرتكز للإصلاح المؤسساتي والدستوري والبناء الديمقراطي، هكذا ختمت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان لقاءها بالمؤسسة المستقلة (المحدثة لدى الأمم المتحدة) المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية وأعضاء مجلسها الاستشاري. تجربتنا المغربية، تضيف، أسست لتعاقد اجتماعي جديد يسعى لضمان حماية الكرامة الإنسانية، بإعمال توصيات امتدت لتشمل وضع ضمانات دستورية ومؤسساتية وتشريعية للوقاية من التعذيب والانتهاكات الجسيمة. توصيات ستكون بعد سنوات قليلة على انطلاق التجربة، واحدة من الأسس التي بني عليه التعديل الدستوري سنة 2011، لننتقل من منطق معالجة انتهاكات الماضي إلى منطق الوقاية الاستباقية ودسترة الحقوق والتحريم الدستوري الصريح للمس بها، فضلا عن المنع الدستوري الصريح للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
