الإصدارات

النشرة الإخبارية

  • تصغير
  • تكبير

التوصية المتعلقة بإحداث لجنة تسمى «هيئة الإنصاف والمصالحة»

بيـان الأسبـاب

انطلاقا من الإرادة العليا لصاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه لله من أجل ترسيخ قيم وفكر وثقافة حقوق الإنسان كخيار ثابت للمملكة المغربية، خيار أكده جلالته في أكثر من مناسبة، بقوة وبعزم لا يلين، وعلى سبيل المثال لا الحصر، تأكيد جلالته:
«نجدد التزامنا بحقوق الإنسان وبقيم الحرية، ذلك أننا نؤمن إيمانا راسخا أن احترام حقوق الإنسان والالتزام بالمواثيق الدولية المكرسة لهذه الحقوق ليست ترفا أو موضة، بل ضرورة تفرضها مستلزمات البناء والتنمية والتقدم، ونحن نرى من جهتنا أن لا تنافر بين دواعي التنمية وحقوق الإنسان، ونرى أن لا تضارب بين الإسلام الذي كرم بني آدم وبين حقوق الإنسان، من أجل ذلك كله نرى أن القرن المقبل سيكون قرن احترام حقوق الإنسان أو لن يكون».
من الرسالة الملكية السامية بتاريخ 10 دجنبر 1999 بمناسبة الذكرى 51 لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وانطلاقـا من الأبعاد الفلسفية العميقة والإرادة السامية القوية التي أكد عليها جلالة الملك بخصوص الطي العادل والمنصف لملف الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي والنفي لأسباب سياسية في أكثر من مناسبة، تلك الإرادة التي تروم إنصاف الضحايا، وإنصاف المجتمع في إطار استمرارية المغرب، متضامنا متصالحا ومتوجها بقوة إلى مستقبله المشرق، وعلى سبيل المثال لا الحصر، إعلان جلالته:
«وقد أولينا عناية خاصة لقضايا حقوق الإنسان، تجسدت في العديد من الإجراءات والخطوات الهادفة إلى مصالحة المغاربة مع تاريخهم، وتسوية ما شابها من تجاوزات وانتهاكات، وكان هدفنا ولا يزال هو توفير الشروط الضرورية لتأمين المستقبل عبر جبر الضرر، ورد الاعتبار للضحايا، وإعادة التأهيل، وإرساء الضمانات الكفيلة بالوقاية والحماية من عدم تكرار الماضي، كما أن دعوتنا إلى تجاوز الضغينة وإرساء ثقافة التسامح مع الإنصاف لمن شأنها أن تفتح آفاق المستقبل ومتطلبات بنائه بكامل الاعتزاز والمسؤولية».
من الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى المشاركين في المؤتمر 34 للفدرالية الدولية لحقوق الإنسان المنعقد بمدينة الدار البيضاء بتاريخ 10 يناير 2001.

وانـطلاقـا من مقاصد الشريعة الإسلامية السمحاء التي آثرت الفضيلة والتسامح سلوكا وتربية، وجعلت من العدل أساسا للحكم بين الناس الذين كرمهم لله سبحانه وتعالى؛

وتعميقا للتحول الديموقراطي الذي يقوده جلالة الملك، وحماية له من أية مخاطر قد تهدده، ومن أجل صيانته كخيار لا رجعة فيه؛

واستنادا إلى الالتزام الثابت للمملكة المغربية بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا وكما أقر ذلك دستور البلاد؛

واستحضارا لمبادئ ومقتضيات القانون الدولي لحقوق الإنسان عموما، وبما تعهدت به الدولة المغربية والتزمت به من اتفاقيات في هذا المجال؛

واستكمالا للإنجازات والمكتسبات على طريق التسوية العادلة لملف الانتهاكات التي تحققت منذ العشرية الأخيرة في عهد المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني رحمة لله عليه، حيث تم العفو عن مئات المعتقلين السياسيين والمنفيين، وإرجاع معظمهم إلى وظائفهم، وتمكينهم من مستحقاتهم، والإفراج عن مئات من ضحايا الاختفاء القسري، وإغلاق مراكز الاعتقال غير القانونية السابقة، وتعويض الآلاف من الأشخاص من طرف هيئة التحكيم المستقلة للتعويض المترتب عن الضررين المادي والمعنوي للضحايا وأصحاب الحقوق ممن تعرضوا للاختفاء القسري والاعتقال التعسفي؛

واعتبارا لما استندت إليه الهيئة المذكورة، في نطاق المهمة المنوطة بها، من قواعد العدل والإنصاف؛

وانـطـلاقـا مما أكده رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في افتتاح الدورة 17 للمجلس بتاريخ 13 مارس 2003 بخصوص تصميم جلالة الملك على الطي النهائي لصفحة الماضي بحزم وهدوء، وبعدل وإنصاف، والتزام المغرب بالتصفية والمصالحة بطريقة إنسانية ومتحضرة؛ علما أن المنظور الاختزالي الذي أملته مرحلة معينة قد انتهى إلى زوال لفائدة منظور شمولي لحقوق الإنسان يمكن للمغرب بل ويجب عليه أن يتبناه؛

ودعما للقوة الاقتراحية المسؤولة والبناءة التي بلورها الفاعلون الحقوقيون والسياسيون والضحايا في المناظرة الوطنية حول التسوية العادلة لماضي الانتهاكات الجسيمة؛

واستمرارا للتراكمات الإيجابية في مجال استرجاع الذاكرة الجماعية والفردية التي بلورتها إنتاجات إبداعية، ثقافية وفنية، وقوافل حضارية رمزية من أجل الحقيقة إلى مراكز الاعتقال السرية السابقة؛

وتثمينا للحوار الجدي الذي بوشر وما يزال بين ممثلي السلطات العليا والسلطات الحكومية وممثلي الضحايا والحركة الحقوقية حول تسوية كافة الملفات العالقة ذات الصلة بالماضي؛

واستلهاما للخلاصات الكبرى لمختلف التجارب الوطنية عبر العالم، التي تصدت شعوبها وأممها بشجاعة للمصالحة مع الماضي بما يحفظ الذاكرة، وينصف الضحايا، ويعزز الوحدة الوطنية ودولة القانون، مؤسساتيا وتشريعيا وثقافيا وتربويا، في إطار هيئات للحقيقة والمصالحة حكمتها قواعد العدل والإنصاف في إطار عدالة انتقالية؛

إن المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وفي ضوء كل ما سلف، إذ يؤكد بخصوص طي صفحة الماضي، مقاربته التي تتعارض بصفة قطعية مع كل الدعوات إلى الضغينة والانتقام والمساءلة الجنائية، منطلقا في ذلك من الغايات النبيلة التي أكدها أكثر من مرة صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه لله في إطار مصالحة المغاربة مع تاريخهم وتجاوز الضغينة وتضميد الجراح، وبذل كل أشكال التأهيل الطبي والإنساني ورد الاعتبار والإدماج الاجتماعي للضحايا وذويهم وعدم الاستغلال المركانتيلي أو الإيديولوجي للحقيقة وإرساء ثقافة التسامح مع الإنصاف وإرساء الضمانات الكفيلة بالوقاية والحماية من عدم تكرار الماضي، وفتح صفحة جديدة تكرس فيها كل الطاقات لبناء مستقبل مغرب ديموقراطي، عصري، قوي، متفتح ومتسامح، لمواجهة المشاكل الحقيقية والملموسة لأجياله الصاعدة؛

بناء على الأسباب السالفة الذكر، وعلى كل ما يمكن أن يتممها لفائدة العدل والإنصاف وتحقيق المصالحة وحفظ الذاكرة، ومن أجل ربط كل المكتسبات والتدابير المتخذة لغاية الآن بباقي المطالب العادلة والمشروعة للضحايا والحركة الحقوقية والمجتمع، في إطار مقاربة ومنظور شاملين للحل النهائي لملفات الماضي بطريقة إنسانية ومتحضرة؛

وانطلاقا من المناقشات المعمقة والمداولات المستفيضة والحوار الجاد والمسؤول الذي عرفه المجلس بخصوص مواصلة تسوية ماضي الانتهاكات الجسيمة بصفة نهائية وعادلة.

يتشرف المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بأن يقترح على النظر السديد لجلالة الملك محمد السادس حفظه لله التوصية الآتية:

إحداث لجنة خاصة، طبقا للمادة السابعة من الظهير الشريف الصادر بتاريخ 15 محرم 1422 الموافق ل10 أبريل 2001 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، تسمى «هيئة الإنصاف والمصالحة»؛ تتكون من شخصيات مشهود لها بالكفاءة والنزاهة الفكرية والتشبع بمبادئ حقوق الإنسان، وتتولى داخل أجل تسعة أشهر قابل للتمديد عند الضرورة لمدة أقصاها ثلاثة أشهر القيام بالمهام التالية:

إجراء تقييم شامل لمسلسل تسوية ملف الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي منذ انطلاقه من خلال الاتصال والحوار مع الحكومة؛ وهيئة التحكيم المستقلة المكلفة سابقا بالتعويض، والسلطات العمومية والإدارية المعنية، والمنظمات الحقوقية، وممثلي الضحايا وعائلاتهم؛

مواصلة البحث بشأن حالات الاختفاء القسري التي لم يعرف مصيرها وبذل جميع المجهودات للوصول إلى نتائج بصددها؛

العمل على إيجاد حلول لحالات ضحايا الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي التي يثبت للهيئة أنها آلت إلى الوفاة وذلك بتحديد أماكن دفنهم لتمكين أقاربهم من زيارتهم والترحم عليهم؛

مواصلة العمل الذي قامت به هيئة التحكيم المستقلة للتعويض المترتب عن الضررين المادي والمعنوي للضحايا وأصحاب الحقوق ممن تعرضوا للاختفاء القسري والاعتقال التعسفي اعتمادا على نفس الأساس التحكيمي وقواعد العدل والإنصاف، للبت في الطلبات التي رفعت إليها بعد انصرام أجل 31 دجنبر 1999؛ ولهذه الغاية يفتح أجل جديد لمدة شهر كامل لتلقي باقي الطلبات ذات الصلة بالموضوع وذلك ابتداء من تاريخ الإعلان عن المصادقة الملكية السامية على هذه التوصية؛

وتبقى للهيئة صلاحية تحديد أجل خاص بخصوص طلبات ذوي الحقوق في الحالات الواردة ضمن الفقرة الثانية أعلاه؛

العمل على جبر كل الأضرار التي لحقت بالأشخاص ضحايا الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي، وذلك بتقديم مقترحات وتوصيات بشأن قضايا الإدماج الاجتماعي والتأهيل النفسي والصحي للضحايا الذين يستحقون ذلك، واستكمال مسلسل حل المشاكل الإدارية والوظيفية والقانونية بشأن الحالات العالقة والنظر في الطلبات المتعلقة بنزع الممتلكات؛

إعداد تقرير بمثابة وثيقة رسمية لـ «هيئة الإنصاف والمصالحة» يتضمن خلاصات الأبحاث المجراة، وتحليلا للانتهاكات ذات الصلة بالاختفاء القسري والاعتقال التعسفي، وعرضا للإنجازات التي تم تحقيقها في الملفات المرتبطة بهذه الانتهاكات، والتوصيات والمقترحات الكفيلة بحفظ الذاكرة وضمان عدم تكرار ما جرى ومحو آثار الانتهاكات واسترجاع الثقة وتقويتها في حكم القانون واحترام حقوق الإنسان؛

تقوم الهيئة خلال أدائها لمهامها المحددة أعلاه، ببذل جميع المجهودات للكشف عن الوقائع التي لم يتم إستجلاؤها بعد، وإصلاح الأضرار ورد الاعتبار للضحايا وترسيخ المصالحة؛ ولهذه الغاية تعمل كافة السلطات العمومية والمؤسسات العامة على التعاون مع الهيئة وتمكينها من كل المعلومات والمعطيات الكفيلة بإنجاز مهامها؛

تلزم الهيئة وأعضاؤها بالكتمان التام لمصادر معلوماتها وبالسرية المطلقة بخصوص مناقشاتها ومداولاتها؛

يندرج عمل الهيئة ضمن مسلسل التسوية غير القضائية الجاري لطي ملف انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة في الماضي، ولا يمكنها في أي حال من الأحوال، بعد إجراء الأبحاث اللازمة، إثارة المسؤوليات الفردية أيا كان نوعها كما لا يمكنها اتخاذ أية مبادرة يكون من شأنها إثارة الانشقاق أو الضغينة أو إشاعة الفتنة.

الاجتماع العشرون للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان

17 شعبان 1424هـ، موافق 14 أكتوبر 2003م

أعلى الصفحة